ابن كثير
94
البداية والنهاية
وملخصها : أن امرأة كان يقال لها أم جميل بنت الأفقم ، من نساء بني عامر بن صعصعة ، ويقال من نساء بني هلال . وكان زوجها ( 1 ) من ثقيف قد توفي عنها ، وكانت تغشى نساء الامراء والأشراف ، وكانت تدخل على بيت المغيرة بن شعبة وهو أمير البصرة ، وكانت دار المغيرة تجاه دار أبي بكرة ، وكان بينهما الطريق ، وفي دار أبي بكرة كوة تشرف على كوة في دار المغيرة ، وكان لا يزال بين المغيرة وبين أبي بكرة شنآن . فبينما أبو بكرة في داره وعنده جماعة يتحدثون في العلية ، إذ فتحت الريح باب الكوة ، فقام أبو بكرة ليغلقها ، فإذا كوة المغيرة مفتوحة ، وإذا هو على صدر امرأة وبين رجليها ، وهو يجامعها ، فقال أبو بكرة لأصحابه : تعالوا فانظروا إلى أميركم يزني بأم جميل . فقاموا فنظروا إليه وهو يجامع تلك المرأة ، فقالوا لأبي بكرة . ومن أين قلت إنها أم جميل ؟ - وكان رأساهما من الجانب الآخر - . فقال : انتظروا ، فلما فرغا قامت المرأة فقال أبو بكرة : هذه أم جميل . فعرفوها فيما يظنون . فلما خرج المغيرة - وقد اغتسل - ليصلي بالناس منعه أبو بكرة أن يتقدم . وكتبوا إلى عمر في ذلك ، فولى عمر أبا موسى الأشعري أميرا على البصرة . وعزل المغيرة ، فسار إلى البصرة فنزل البرد . فقال المغيرة : والله ما جاء أبو موسى تاجرا ولا زائرا ولا جاء إلا أميرا . ثم قدم أبو موسى على الناس وناول المغيرة كتابا من عمر هو أوجز كتاب فيه " أما بعد فإنه بلغني نبأ عظيم فبعثت أبا موسى أميرا فسلم ما في يديك والعجل " وكتب إلى أهل البصرة : إني قد وليت عليكم أبا موسى ليأخذ من قويكم لضعيفكم ، وليقاتل بكم عدوكم ، وليدفع عن دينكم وليجبي لكم فيأكم ثم ليقسمه بينكم . وأهدى المغيرة لأبي موسى جارية من مولدات الطائف تسمى عقيلة وقال : إني رضيتها لك ، وكانت فارهة . وارتحل المغيرة والذين شهدوا عليه وهم أبو بكرة ، ونافع بن كلدة ، وزياد بن أمية ، وشبل بن معبد البجلي . فلما قدموا على عمر جمع بينهم وبين المغيرة . فقال المغيرة : سئل هؤلاء الأعبد كيف رأوني ؟ مستقبلهم أو مستدبرهم ؟ وكيف رأوا المرأة وعرفوها ، فإن كانوا مستقبلي فكيف لم يستتروا ؟ أو مستدبري فكيف استحلوا النظر في منزلي على امرأتي ؟ والله ما أتيت إلا امرأتي وكانت تشبهها . فبدأ عمر بأبي بكرة فشهد عليه أنه رآه بين رجلي أم جميل وهو يدخله ويخرجه كالميل في المكحلة ، قال : كيف رأيتهما ؟ قال : مستدبرهما . قال : فكيف استبنت رأسها قال : تحاملت . ثم دعا شبل بن معبد فشهد بمثل ذلك ، فقال استقبلتهما أم استدبرتهما ؟ قال : استقبلتهما . وشهد نافع بمثل شهادة أبي بكرة ولم يشهد زياد بمثل شهادتهم . قال : رأيته جالسا بين رجلي امرأة فرأيت قدمين مخضوبتين يخفقان واستين مكشوفتين ، وسمعت حفزانا شديدا . قال : هل رأيت كالميل في المكحلة ؟ قال : لا . فهل تعرف المرأة ؟ قال : لا ولكن أشبهها . قال : فتنح . وروي أن عمر رضي الله عنه كبر عند ذلك ثم أمر بالثلاثة فجلدوا الحد وهو يقرأ قوله تعالى * ( فإذا لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون ) * [ النور : 13 ] فقال المغيرة : اشفني من الأعبد . قال : اسكت أسكت الله فاك ، والله لو تمت الشهادة لرجمناك بأحجارك .
--> ( 1 ) واسمه : الحجاج بن عبيد .